مجموعة مؤلفين

138

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - الطائع ، والمعصية صفة العاصي ، ولا يوجب ذلك وصف خالق الطاعة والمعصية بكونه طائعا عاصيا ، ألا ترى أن الأسود صفة لمن قام به السواد ، ولا يكون صفة للّه تعالى ، وإن كان تعالى هو خالق السواد ، فكذلك التحرك صفة لمن له الحركة ، لا صفة من خلق الحركة والولد لمن له الولد ؛ لا لمن خلق الولد ، والحلاوة صفة العسل ، لا لمن خلق الحلاوة فيه . وكذلك الحموضة في الخل صفة للخل ، لا لمن خلق الحموضة فيه ، وكذلك الموت إذا خلقه اللّه في أحدنا صار ميتا ، واتصف بذلك ، ولا يوجب أن يتصف الخالق للموت بأنه ميت ، لما خلق الموت وفعله بالحي . فكذلك المعصية صفة من حلت به المعصية ، والطاعة صفة لمن حلت به الطاعة ، ولا يوجب ذلك وصف خالقها بأنه طائع ولا عاص . فإن قيل : لا يجوز أن يكون اللّه خالق الظلم والجور والكذب ؛ لأن من فعل الظلم كان ظالما ، ومن فعل الجور كان جائرا . ومن فعل الكذب كان كاذبا واللّه تعالى يتنزه عن جميع ذلك ، فصح أن هذه الأشياء ليست بفعل له ، ولا خلق له ، فالجواب : أن هذا السؤال هو الأول بعينه ، والجواب عنه قد تقدم ، لكن نزيد هاهنا جوابا آخر وذلك أنا نقول : ليس الأمر على ما يقع لكم ، بل نقول إن اللّه تعالى خلق الظلم ظلما للظالم به ، وخلق الجور جورا للجائر به ، وخلق الكذب كذبا للكاذب به ، كما أنه خلق الظلمة ظلمة للمظلم لها ، وخلق الضوء ضوءا للمستضيء به ، وخلق الحمرة حمرة للأحمر بها ، وخلق السواد سوادا للأسود به ، وخلق السم سما للمسموم به ، فكما أن اللّه تعالى خلق الظلمة لليل والضياء للنهار ، والحمرة للأحمر ، والسواد للأسود ، والسم للحية ، ولا يوجب ذلك كونه ظلمة ولا ضياء ولا سوادا ولا حمرة ولا سما له فكذلك خلق الطاعة طاعة للطائع بها ، والكذب كذبا للكاذب به ، والجور جورا للجائر به ولا يوجب ذلك كونه جائرا ولا ظالما ولا كاذبا فصح ما قلناه وبطل ما قالوه . جواب آخر : وذلك أن الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل ، وإنما يكون كذبا إذا خالف الأمر ، وكذلك الجور والظلم ، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر آمره ، وناه نهاه ، وهو الخلق . وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه ، فلا يصح وصفه بشيء من هذا ، فاعلم ذلك وتحققه ، فإنه أصل قوي تدفع به جميع ظنونهم الفاسدة ، فإن قيل : لا يجوز أن يقال للجور والكذب هذا خلق اللّه ، بل يعرض عن ذلك ، ولا يقال ، فصح أنه خلق لغيره . فالجواب : أن هذا السؤال غير صحيح ؛ لأنك إن أردت الإطلاق في العموم ، فجائز بأن تقول : يا خالق المخلوقات ، ويا خالق الموجودات ، ويا خالق كل شيء ، ويا خالق الضر والنفع ، وإن -